علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

586

شرح جمل الزجاجي

يجوز ذلك بقياس أصلا . فإن ورد به السماع ، نحو : " مررت برجل حجر الرأس " ، يحفظ ولا يتعدّى ، فلذلك جعله سيبويه على إضمار فعل . ومنها المصادر الموضوعة موضع الخبر في المبالغة ، نحو : " ما أنت إلّا سيرا " ، و " ما أنت إلا شرب الإبل " ، تريد : ما أنت إلا تسير سيرا ، وما أنت إلّا تشرب شرب الإبل ، فحذفت الفعل الذي هو خبر ، وأقمت المصدر مقامه ، ولا يجوز إظهاره ، لأنّ ما تريد من المبالغة في الشرب والسير يسوغ التزام الإضمار فيه في اللفظ بمنزلة إذا قلت : إنّما أنت شرب الإبل وإنّما أنت سير ، فرفعت وجعلت السير والشرب مبالغة . وأما " مرحبا " ، و " سهلا " ، و " أهلا " فعلى تقدير : صادفت مرحبا ، أي : رحبا وسعة . وكذلك " أهلا " ، أي : صادفت من يقوم لك مقام الأهل . و " سهلا " ، أي : صادفت لينا وخفضا لا خوفا . ولما كانت هذه المصادر يكثر استعمالها لكل قادم من السفر كما ذكرنا ، جرت في كثرة الاستعمال مجرى المثل ، فالتزم إضمار الفعل لذلك . وأما " سبّوحا قدّوسا ، ربّ الملائكة والروح " ، فعلى تقدير : كبّرت سبّوحا أي مبرّأ منزّها مما ينسب إليه الملحدون . وكذلك " قدّوسا " على تقدير : ذكرت أو نزّهت قدّوسا ، أي : مقدّسا ، والمقدّس : المطهر . وكذلك رب الملائكة والروح ، أي : حافظهم . وأما " إن تأت فأهل الليل والنهار " ، فعلى تقدير : تجد أهل الليل والنهار ، أي : من يقوم لك مقام أهلك في الليل والنهار . ولكن لم يظهر الفعل لجريانه مجرى المثل في كثرة الاستعمال ، إلّا أنه كلام كثر استعماله في معناه من المسرّة والإلطاف للمخاطب . وأما " كلّ شيء ولا هذا " ، و " كلّ شيء ولا شتيمة حرّ " ، فعلى تقدير : ائت كلّ شيء ولا تقرب شتيمة حرّ ، لكن لم يظهر لكثرة الاستعمال ، ألا ترى أنّه قد كثر استعماله في كثرة التحذير عن الشيء . وأما " ديار فلانة " ، فمنصوب على إضمار فعل تقديره : اذكر ديار فلانة . فإن قلت : وما الدليل على هذا الفعل ؟ فالجواب : إنّ الشعراء كثيرا ما يقدمون في أشعارهم ذكر الديار ووصف الأطلال ، فإذا قال بعد ذلك : " ديار فلانة " ، فكأنه قال : ذكرت ديار فلانة . وكل ما